الشيخ محمد الصادقي الطهراني

94

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

النازلة بداية الوحي المفصل ، بعد الخمس من علق والسبع المثاني من الحمد أيضاً . « يا أيها المدثر » : لقد تدثر الرسول الأقدس صلى الله عليه وآله إثر ما أوحيت اليه الخمس والسبع ، تدثر من وقعة الوحي المفاجىءِ الثقيل ، وعلى حدِّ المروي عنه صلى الله عليه وآله قال : « جاورت بحراء فلما قضيت جواري فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً ونظرت خلفي فلم أر شيئاً فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فجثثت منه رعبا فرجعت فقلت : دثروني فدثروني فنزلت « يا أيها المدثر » « 1 » هذا وكما كان متدثراً عن قيام البلاغ منذ كان حتى زمن الرسالة ، فكان عليه - إذاً - دثاراً فوق دثار ، فأمر بالتحلل عنهما إلى الإنذار . إن الدثار ما يلبس فوق الشعار وأصل المدثر والمتدثر تدثراً بثيابه لينام أو ليستدفيء ، وما تدّثره في الرمضاء ، إلا لما أخذته من رعشة الوحي وهيبته ، كأن زالت حرارته بغزارة الوحي ورعشته ، فتدثر وكان حقه أن يتدثر ، وبما أن مكوثه هكذا بداية الوحي ولو قليلًا ، يخيل أنه مسموح له الدثار نوماً أو تدفؤاً ، يؤمر آنذاك بالقيام عنه إلى الانذار ، فلا عليه ولا له وهو رسول أن يكون نائماً دثوراً مستتراً مستدفئاً ، وإن كان من وقعة الوحي ، فليتعود القيام والإقدام طالما العراقيل تحول بينه وبين القيام ، وليعش القيام حياته : روحياً وجسدانياً وعقلياً وعمليا ، وبكل ما يملكه وما ملَّكه ربُّه من طاقات وإمكانيات ، فالعمر قصير ، والسير عسير ، ودافع القعود كثير ، فلا يسمح له إذاً - الدثار - أي دثار ، دثار الجسم والروح ، دثار الانذار والتبشير ، فليتجرد عن الدُّثْر كلها ، إلى الانذارات كلها . وقد تتحمل السورة كلها أنها أنزلت بعد ما شاعت دعوة الرسول وواجهته السفاسف والأقاويل السوء : أنه مجنون أو كاهن أو شاعر ، وكل ذلك من طواغيت

--> ( 1 ) . الدر المنثور 6 : 280 عن جابر بن عبداللَّه الأنصاري ، وفيه ان المدثر أول ما نزل من القرآن‌اي : بعد الخمس من العلق ويلمح له قوله صلى الله عليه وآله هنا « الذي جاءني بحراء » إذا فهذا مجيئه الثاني - وعلى الأول كان يحمل سورة الحمد إضافة إلى الخمس كما تدل على البسملة بالبيان المسبق في سورة العلق